الحلقة الثانية: الآلة المُفكرة
من وحي الحقيقة
أبرز الأحداث السابقة :
البداية
العام هو 1950، و العالم مشغول بايجاد تعريف للذكاء، بشريا كان ام اصطناعي، جزء من العالم على الأٌقل. كيف باستطاعتنا نمذجة الذكاء وانتاجه؛ اذا جاز التعبير، فنحن كبشر بالكاد نفهمه. كيف لنا تحديد ما اذا كان كائن ما يمتلك ذكاءاً على الاطلاق؟
أعلم أن هذا السؤال قد يكون بديهياً للبعض ولكن هنا علينا التمييز بين قدرتنا على كشف الكائنات الذكية و قدرتنا على التعبير بالكلمات أو حتى بالمعادلات لوصفه و الذي قد يُساعدنا بالتالي الى طريقة لصُنعه!
حسناً، دعني أسألكم السؤال التالي، ماهو الذكاء؟ أو ولنكن أكثر تحديداً كيف لك أن تُحدد اذا ما كان حاسبوك قد أصبح ذكياً كفاية وانه قد تحول الى ند لك؟
أليس هذا هو الأمر الذي يهمنا هنا؟ فعلى الأقل علينا معرفة متى علينا أن نبدأ بالقلق من هذه الأجهزة، أليس كذلك؟
هل توصلتم الى اجابة؟ لا تقلقوا، تابعونا في الفقرة التالية و قد تجدون ضالتكم.
لعبة المحاكاة
نحن لا نزال في عام 1950، فهذه الحُقبة الزمنية شهدت توصل العالم الرياضي العبقري آلان تورينغ الى حل لمُعضلة تعريف الآلة الذكية ذلك بتخيله سيناريو اللعبة التالية.
انت محقق تجلس في غرفة وتحاور شخصا ما في غرفة أُخرى عن طريق الحاسوب مثلاً، انت لا تسمعه ولا تراه. الهدف، ان تكشف اذا ما كان الشخص خلف الشاشة انسان ام آلة بالحوار معه فقط.
الفكرة الاساسية هنا انه اذا ما تمكنت آلة من اقناعك بانها انسان ينتهي الأمر، تصبح هنا آلة مفكرة.
اختبار سهل جدا و قد يبدو ساذجا حتى لكن لذلك تحديدا شغل تفكير الناس وأسر مخيلتهم في ذلك الوقت وكانت ورقة البحث هذه هي شهادة ميلاد هذا العلم. انها ورقة بحث "الحاسوب الرقمي والذكاء"(1) بقلم آلان تورينغ، عام 1950 ميلادي.
اذا كنتم قد شاهدتم فلم "The Imetation Game" فهو عن احدى انجازاته في صنعه للحاسوب الأول و تمكنه بمساعدة فريق من العلماء من فك شفرة "Enigma" الألمانية في الحرب العالمية الثانية و الذي يُعد أحد أسباب انتصار الحُلفاء حينها.
 |
العالم آلين تورينغ "Alan Turing" حقوق الصورة تعود لموقع "Cosmos" |
الكثير من الباحثين في المجال الى الآن يعتبر اختبار تورينغ هو الأساس الذي يستند عليه في تعريفه للذكاء لكن وبعد عدة محاولات، حسنا لنقل فاشلة، قرر العلماء أنه قد يكون من الأفضل التركيز على تطوير تعلم الآلة في مجالات متنوعة كل على حدى بدلا من محاولة جعله يقوم بكل شئ مرة واحدة و يكون هذا شئ بديهي و ينجح في ايصالنا الى النتيجة المرجوة بشكل أسرع.
وهنا بدأنا نشهد بعض التطورات الملفتة "benchmarks" والتي أوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم.
و بالحديث عن اليوم، الى أي مدى من التطور قد وصلنا اليه اليوم في هذا المجال؟
الواقع والخيال
لنركب آلة الزمن ونعود الى وقتنا الحاضر...
حسنا، الحمد الله على سلامتكم، اتمنى ان تكونو قد استمتعتم برحلتكم وان الملل لم بتسلل بعد الى نفوسكم فنحن نقوم بالاحماء فقط، حتى الآن.
قد يأتي الخبر التالي مخيب لآمال البعض ومريح لدى البعض الآخر. ان امكانية وجود روبوت يمتلك ذكاءاً بمستوى ذكاء الانسان هو امرمازال مُستبعداً حاليا للغاية فاذا حاولنا مقارنة الذكاء الاصطناعي اليوم مع أي مخلوق آخر فالعلماء لم ينجحوا في جعله بنفس ذكاء الفأر، فما بالك بالانسان.
لا تسيؤوا فهمي ارجوكم، فلا يوجد شئ اسمه خيال او مستحيل في العلم خاصة ونحن نشهد كل هذه التطورات لكن علينا الضغط على مكابح مخيلتنا قليلا ومعرفة ما هو ممكن حقا الآن.
فاذا كنت تعتقد ان الروبوت صوفيا تمثل آخر ما توصل اليه العلماء في علم الذكاء الاصطناعي، فكر مُجدداً فالكثير من رواد هذا المجال ينظرون اليها على انها مسرحية بل و حتى مضيعة و اهدار للوقت و الموارد. ((عذراً صوفيا..))
حسناُ، اذا العلماء فشلوا ولا يوجد هناك ذكاء اصطناعي؟ لا بكل تأكيد!
نعم، هناك بعض الأمور التي يقوم بها الانسان ببراعة أكبر و بدون جهد يذكر حتى لأنها تبدومن البديهيات، دون أن نعي مقدار تعقيد و براعة الدماغ البشري التي لا يضاهيها شئ. نحن نقوم بتمييز كل ما حولنا والتعمق في التفكير و المشاعر المختلفة كل هذا الخليط المميز والمعقد والذي يجعل كل منا ما هو عليه. لكننا اليوم في عصر البيانات الرقمية الهائلة الحجم بدأنا نشعر أكثر و أكثر بحدود هذه القدرات وعجزها على التعامل مع كل هذه المعطيات والتي تعتبر اليوم منجم ذهب يتم المتاجرة بها حرفياً. حتى أن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي "AI Ethics" أصبحت أمراً مُلحاَ يطالب بها الكثير من العاملين في المجال للحد من استغلال البيانات في أمور غير مشروعة أو حتى غير أخلاقية مثل تطبيقات الخداع العميق التي قد تجعل تصنع فيديو بطله أنت صوتاً و صورةًَ، دون الحاجة لك على الاطلاق.
لا تصدقني؟ شاهد هذا الفيديو اذاً .واجابة على سؤالك، لاهذا ليس توم كروز و قد صنع بالاستعانة بشخص آخر وبعض تقنيات الذكاء الاصطناعي المتاحه اليوم. هنا أعزائي تكون فكرة التصديق بالنظر قد انهارت أمام أعيننا.
اذا كيف يقوم الحاسوب بكل هذا ولا يزال يعتبر غبياً الى حد ما؟
هنا تأتي قوته على استخراج الأنماط (ما هو مشترك أو متشابه) من البيانات وخلق بيانات مشابهه.
حل لمعادلة
نعم أعزائي، فالأمر أشبه بحل معادلة رياضية الفرق الوحيد هنا اننا في البرمجة ((الكلاسكية)) نقوم باعطاء القوانين للحاسوب ليقوم هو بتطبيقها على المتغيرات المختلة الا اننا في الذكاء الاصطناعي لا نمتلك تلك المعادلة (لا توجد معادلة للتمييز بين البشر و حبة البطاطا مثلا) بل نقوم باعطائه المتغيرات والحل ليقوم هو باستنباط المعادلة.
يمكن تخيل الأمر أيضاً كما في الصورة التالية:
لا أعتقد أن أحد منا لم يصادف احدى هذه الصور في مواقع التواصل الاجتماعي وشعر بالفخر عند حله لها. ونحن في الأغلب حينها اعتبرنا قدرة عقلنا البشري على حلها، شئ من المسلمات ولم ندقق في الكيفية التي استطاع بها التوصل لهذا الحل العبقري. يشبه هذا (بشكل مبسط للغاية) ما يحصل عند تدريب الآلة. ففي هذه الصورة لا يوجد قانون معين لمعرفة الحل، بل كل ما نمتلكه مجموعة من الأشكال والنتيجة التي تعطيها.
الا اننا مع بعض المحاولة و الخطأ "trial and error" تمكنا من معرفة الحل!
اذاً المرة المقبلة التي يقوم أحدهم بذكر مصطلح تدريب الآلة، يمكنك عندها تخيل الأمرعلى انه تزويد الحاسوب بمئات وآلاف المعطيات الخاصة لحل مشكلة معينة مع اعطائه للحل. عندها تقوم الآلة بمحاولة ايجاد المعادلة المناسبة وذلك بتطبيق معادلة عشوائية في بادئ الأمر ثم محاولة تصحيحها بشكل تدريجي وفق معادلة أخرى لقياس الخطأ "ُError Function" أو "Cost Function". وهكذا حتى تعطي الحل الصحيح لأغلب المعطيات.
قد تستمر مدة التصحيح هذه لدقائق، ساعات، أو حتى أيام! يختلف الأمر بحسب المهمة المطلوب تعلمها ومدى تعقيدها.
وهنا يُسعدني تقديم بعض الأمثلة للبيانات الأكثر استخداماً، خصوصاً اذا كنت قد بدأت للتو في دخول هذا العالم وتود تجربة واختبار قدراتك:
 |
| صورة من صفحة التحدي على موقع Kaggle |
يُعتبر هذا احد أشهر التحديات على منصة (1)"Kaggle". يتوفر لدينا في هذا التحدي بيانات عبارة عن معلومات لكل ركاب السفينة من الاسم الى العمر و الجنس ودرجة الاجتماعية، وغيرها. يُقابل ذلك فيما اذا كان الشخص قد نجى أم لا.تحوي قاعدة البيانات هذه على 418 سجل (لكل فرد) وهو عدد يعد بسيط جداً لتدريب الآلة الا انه كافٍ لحل مسألة مثل هذه.
بعد تدريب الآلة على البيانات، نقوم اعطائها سجل شخص جديد بمواصفات معينة (عمر، جنس، درجة اجتماعية، الخ) لتقوم هي باعطائنا فرص نجاته من هذه الكارثة.
تُعد هذه المسألة من كلاسيكيات تعلم الآلة والتي يمكن التطرق لها ومحاولة حلهاعند الدخول في هذا المجال.
تعد الأشهر على الاطلاق من بين البيانات المُستخدمة و هي أولى البيانات التي تدخلون بها نحو مجال تعلم الآلة في تطبيقات الرؤية للحاسوب "Computer Vision". هي بكل بساطة، عبارة عن 60,000 صورة لأرقام في صيغتها الأُحادية مكتوبة بخطوط يد مُختلفة. تستخدم لتدريب الآلة "Training Set" للتعرف على الأرقام المكتوبة بخط اليد. تحوي اضافة الى ذلك 10,000 صورة تُستخدم لاختبار مدى قدرة تعلم الآلة وصحة تعرفها على الأرقام (أو ما يدعى بمجموعة الاختبار "Test Set"). ولبساطة هذه البيانات و صغر حجمها اذا ما قارناها بالصور الأخرى الأكثر تعقيداً، يتم استخدامها بكثرة عند البدء في تعلم اي تقنية أو اختبار تقنيات وخوارزميات جديدة.
أحب أن أنوه هنا أن اين جود فيلو "Ian Goodfellow" وهو الشخص الذي ابتكر خوارزمية "Generative adversarial networks" المعروفة اختصاراً بالGAN قد ابتكرها بعد تجربتها على قاعدة بيانات Mnist وقد ذكر في أكثر من حوار أنه لم يكن ليتمكن من ذلك لو لا عمله على هذه البيانات. وذلك لبساطتها اذا ما قارناها بالصور الأكثر تعقيداً وهذا ما جعله يوفر طاقته على انتاج الفكرة ذاتها. أعرف أن GAN تُطبق اليوم بشكل واسع وفي مُختلف المجالات. قد يعرفها البعض منكم من اطلاعه على فيدوات التزييف العميق الذي رأيناه سابقاً والمُنتشرة في كل مكان اليوم الا أنه ليس التطبيق الوحيد، فيوجد الكثير من التطبيقات الرائعة و المفيدة واذا أردنا التعمق أكثر فأعتقد اننا سنحتاج الى مقالة مخصصة لها فحسب. ولكني وحتى ذلك الحين، سأزودكم ببعض الروابط المثيرة للاهتمام في نهاية المقال، فلا تترددوا في القاء نظرة سريعة و أعدكم بأنها ستثير الكثير من الفضول لديكم.
بالطبع يوجد الكثير من التطبيقات والأبحاث الجارية لتطوير و تحسين النتائج الخاصة بهذه الشبكات المُذهلة. من يعلم، قد تكون هذه التقنية هي أولى خطوات الحاسوب في تعلم الابداع! حسناً، سأكتفي لهذين المثالين كبدايه، و قد أخصص مقالة لأكثر قواعد البيانات شهرة والمستخدمة من أجل تدريب برامج الذكاء الاصطناعي لمن يمتلك المزيد من الفضول.
في الختام
اذا الآلة المفكرة! لم يعد من الأساسي أن يتم خلق آلة تطابق ذكاء الانسان في كل شئ، على الأقل ليس على المدى القريب فهناك بعض الأبحاث الجارية في هذا المجال (مثل صوفيا)، لكن بدلاً من ذلك أصبح التركيز على جعل الآلة تفوق الانسان في مهارة ما بعينها، (قراءة النصوص، التمييز بين الأشكال المختلفة، تشخيص الأمراض) هو مصب اهتمام أغلب الباحثين والعاملين في هذا المجال. هذا جعل الأمر أكثر فعَّالية و واقعية. منذ ذلك الحين و التطور الحاصل في الذكاء الاصطناعي أصبح في ازدياد مطَّرد، لا يمكن انكاره.
فأصبحنا اليوم مثلا على بعد خطوات قليلة من أن نقود سيارات بلا سائق. كل ذلك بسبب العمل الدؤوب على تطوير خوارزميات رؤوية الحاسوب "Computer vision"، والتي تمكن السيارة من التفريق بين العناصر المختلفة التي ممن الممكن مُصادفتها على الطريقو كيفية التعامل مع السيناريوهات المُختلفة.
والأمر هنا معقد للغاية حتى أن هناك خوف من قبل الشركات المصنعة على تمكن البعض من خداع مثل هذه السيارات لأغراض سيئة. كتزوير اشارة توقف على سبيل المثال، لاجبار السيارة على التوقف. وهو ما يدعى بالهجوم المعادي "Adversarial Attacks" والذي يخصص له الكثير من الموارد من أجل تحصين الأنظمة وجعلها قادرة على التعرف على مثل هذه الخدع.
نعم، هناك الكثير من التطوير الجاري على قد وساق و قد أصبحنا أقرب من أي وقت مضى على وجود أنظمة ذكية تساعدنا في كل المجالات، وهذا يجعل من الواجب علينا السعي الى التعرف أكثر على كيفية عملها وما هو الممكن، حتى الآن لنكون أكثر استعداداً ومعرفة عندما تصبح شريكتنا في العمل.
شكراً جزيلا على متابعتكم، على أمل الالتقاء في حلقات قادمة :)
(1) Kaggle: احدى أشهر المنصات التي تحوي على البيانات المختلفة والتي يمكن استخدامها لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بك. تزودك أيضا بالبيئة التي تمكنك من كتابة البرامج دون الحاجة الى تحميل أي شئ على حاسوبك الخاص. تقوم أيضاً برعاية تحديات مُختلفة مقابل مكافئات مادية للفائزين.
(2) Mnist Dataset: تُعد احدى أشهر قواعد البيانات في مجال تعلم الآلة و التعلم العميق. تستخدم في اختبار معضم التقنيات الجديدة قبل تطبيقها على بيانات أكثر تعقيداً.
مصادر:
روابط مثيرة للاهتمام:
(4) تقنية شاهد كيف تستطيع تخطيط النمو السكاني و انشاء مدينة من العدم
حل معادلة الصورة:
الصوص: 6، المينيون: 4، الفأر: 3 :)
Comments
Post a Comment